عثمان العمري

178

الروض النضر في ترجمة اُدباء العصر

ملا جرجيس الأديب « 1 » هذا الأديب الذي رفعه المجد ، وأوقعه في الكمال من المكان النجد . عمر ربع النظم بصخور أدبه وشيده ، وأحيا دارس النثر بنظام عقوده ووطده . أمطر وإستبرق ، وأثمر المعارف وأورق

--> ( 1 ) ترجم له صاحب منهل الأولياء ( 1 : 295 ) فقال : « الأديب المؤرخ الظريف ملا جرجيس بن درويش كان ظريفا حسن الشكل والهيئة ، لطيف المعاشرة حسن المسامرة ، فيه دعابة ومجون . وكانت له اليد الطولى في نظم التواريخ بسرعة ، مع جودة السبك . وحسن العبارة وجزالة المعنى . وكان ملازما لعلي العمري المفتي ، فكان يصلي به الأوقات . ومن ظرافته ما يحكى عنه انه صلّى يوما بهم فلما سلم قيل لعلي المفتي : انه سكران . فقال علي المفتي للجماعة : أعيدوا صلاتكم فان امامنا سكران . فالتفت بسرعة وقال : اي صلاة صليتها بكم وانا غير سكران منذ أربعين سنة » ثم قال بعد ان أورد له مقطوعتين من الشعر ، « مات سنة أربعين ومائة والف . » وترجم له المرادي في سلك الدرر ( 2 : 7 ) فقال ، « جرجيس الأديب الموصلي الشيخ الفاضل كان في سرعة انشاء التاريخ من معجزات الأدب ونادرة العرب ، وكان له فضل وفصاحة وبلاغة ، وفيه مجون ومحاضرة لطيفة . رقيق الطبع انيق النظم ، حسن المعاشرة ، لطيف المباحثة والمناظرة . في كل فن له دخول وإلى كل ذروة وصول . وله مجون انيق ، ونزاهة ظريفة . وربما طلب منه التاريخ باسم معين فيقول الشرط فلا يخطئ العدد . ودخل حلب فاجتمع بأدبائها ، وتطارح مع فضلائها . وقال له يوما بعض الأفاضل : أريد أن اشوشك ، فقال : يا سيدي فرجني . وهذا يسمى في البديع بالأسلوب الحكيم . وتوفي في سنة احدى وأربعين ومائة والف . وترجم له الغلامي في شمامة العنبر ( 205 - 215 ) فقال عنه فيما قال « امام في الشعر تقتدى به الأمثال وليس له في الهزليات مثال . قام لسعر الشعر في أيامه خير سوق ، وعكفت عليه أبناء الأدب فدارت محاسنه بينهم على سوق . حتى كان له في أيامه طنة ورنة وصولة وجولة . كانت اليد الطولى في نظم تاريخ الهجرة ، والخط الأوفى الأوفر منه ببداهة الفكرة ، حتى أجمع أهل الأدب من بني الحدباء على أنه أعلى من أنشأ تاريخا وأرخ انشاء . نعم انه أعلى وأملى وأجلى وأحلى ، واشعر اقرانه بعد المتقدم ابن عبد الباقي حسن وأحسن وأكثر سلاسة وأكمل فصاحة وأبين . له ديوان شعر رأيته وقد طنبت على روضة الهجرة أبياته ، ومحاسن نثر سمعته ، وقد فاقت على خرائد المقاصير مخبياته . شعره يدل على أن الرجل كان يغترف من بحر ؛ ويأخذ صنوف المعاني فيعيدها بسلاسة ألفاظه سبيكة تبر . ويأتي بتشابيه ليس لها شبيه . لو رآها ابن المعتز لما كان مفتونا بتشبيه مواعين داره . ولما شبه هلال الأفق بالقلامة من -